
بقلم: د. نجيب صلاح عبدالرحمن – أخصائي أمراض الجهاز الهضمي
وسوابنا ماري جون – أخصائية التغذية السريرية، المستشفى الدولي الحديث دبي
تشهد المجتمعات الحديثة، وبشكل خاص في منطقة الخليج العربي، ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات السمنة لدى الأطفال، حتى باتت هذه الظاهرة تُصنّف اليوم كواحدة من أبرز التحديات الصحية التي تهدد الأجيال القادمة. لم تعد السمنة مجرد زيادة في الوزن يمكن التغاضي عنها، بل أصبحت حالة مرضية معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والسلوكية والبيئية، وتترك آثاراً صحية ونفسية تمتد لسنوات طويلة.
من الناحية الطبية، تُعرّف السمنة لدى الأطفال بأنها تراكم مفرط للدهون في الجسم يؤثر سلباً على الصحة، ويتم تقييمها عادة باستخدام مؤشر كتلة الجسم (BMI) مقارنة بالعمر والجنس، حيث يُعتبر الطفل مصاباً بالسمنة عندما يتجاوز المؤشر النسبة المئوية الخامسة والتسعين لعمره وجنسه. إلا أن الأرقام وحدها لا تعكس حجم المشكلة، فالسمنة في الطفولة تمثل بداية مسار قد يقود إلى أمراض مزمنة في سن مبكرة.
يشير د. نجيب صلاح عبدالرحمن، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي، إلى أن فهم السمنة يجب أن يبدأ من داخل الجسم، وتحديداً من الجهاز الهضمي الذي يلعب دوراً محورياً في تنظيم الشهية والتمثيل الغذائي. فالجهاز الهضمي ليس مجرد وسيلة لهضم الطعام، بل هو نظام متكامل يتحكم في إشارات الجوع والشبع من خلال هرمونات دقيقة مثل “الغريلين” و“اللبتين”، حيث يؤدي اختلال توازن هذه الهرمونات إلى زيادة الشهية أو ضعف الإحساس بالشبع.
كما يوضح أن التغيرات في توازن البكتيريا النافعة داخل الأمعاء، والتي تُعرف بالميكروبيوم، تُعد من العوامل التي تشير الدراسات الحديثة إلى ارتباطها بزيادة الوزن. إذ قد تسهم بعض أنواع البكتيريا في تعزيز امتصاص الطاقة من الطعام وتخزينها، إلا أن هذه العلاقة ما تزال قيد البحث، ولم تُثبت بشكل سببي قاطع حتى الآن.
ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه العوامل الوراثية، حيث يمتلك بعض الأطفال قابلية أعلى لاكتساب الوزن نتيجة تأثير الجينات على تنظيم الشهية، واستهلاك الطاقة، واستجابة الجسم للغذاء. وغالباً ما تتداخل هذه العوامل الوراثية مع نمط الحياة، مما يزيد من احتمالية تطور السمنة.
ومن الجوانب المهمة أيضاً، دور مقاومة الإنسولين، والتي تُعد من الآليات الرئيسية المرتبطة بالسمنة، حيث يصبح الجسم أقل استجابة للإنسولين، مما يؤدي إلى زيادة تخزين الدهون وارتفاع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني في سن مبكرة.
من جانبها، تؤكد سوابنا ماري جون، أخصائية التغذية السريرية، أن التحول في أنماط الحياة هو العامل الأكثر تأثيراً في انتشار السمنة بين الأطفال. فقد أصبح الاعتماد على الوجبات السريعة والأطعمة المصنعة سمة شائعة في الحياة اليومية، حيث تحتوي هذه الأطعمة على نسب عالية من الدهون المشبعة والسكريات، مقابل انخفاض كبير في القيمة الغذائية.
وتشير إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في نوعية الطعام، بل أيضاً في سلوكيات الأكل، مثل تناول الطعام أمام الشاشات، أو الأكل بدافع الملل وليس الجوع، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على المشروبات المحلاة التي تُعد من أكبر مصادر السعرات الحرارية الخفية.
ولا يمكن إغفال الدور الكبير الذي تلعبه البيئة المحيطة بالطفل. فالتطور التكنولوجي، رغم إيجابياته، أدى إلى تقليل النشاط البدني بشكل ملحوظ، حيث يقضي الأطفال ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، ما يقلل من حركتهم اليومية ويؤثر سلباً على معدل حرق السعرات الحرارية.
كما أن قلة النوم تُعد عاملاً مهماً في زيادة الوزن، إذ تؤثر على توازن الهرمونات المرتبطة بالشهية، مما يجعل الطفل أكثر ميلاً لتناول الطعام، خاصة الأطعمة الغنية بالسكر والدهون.
السمنة لدى الأطفال لا تقف عند حدود الشكل الخارجي، بل تمتد آثارها إلى الصحة العامة بشكل خطير. فالأطفال الذين يعانون من السمنة معرضون للإصابة بأمراض كانت تُعتبر في السابق مقتصرة على البالغين، مثل السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون في الدم.
ويشير د. نجيب إلى أن الجهاز الهضمي يتأثر بشكل مباشر بالسمنة، حيث تزداد احتمالية الإصابة بمرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي (MASLD)، وهو من الحالات التي قد تتطور بصمت دون أعراض واضحة، لكنها قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة إذا لم يتم التعامل معها مبكراً.
كما أن السمنة قد تؤدي إلى اضطرابات في حركة الأمعاء، مثل الإمساك المزمن، إضافة إلى زيادة خطر الإصابة بالارتجاع المعدي المريئي، الذي يسبب شعوراً بالحموضة وعدم الراحة.
أما على الصعيد النفسي، فتوضح سوابنا ماري جون أن الأطفال الذين يعانون من السمنة غالباً ما يواجهون تحديات نفسية واجتماعية، مثل التنمر من قبل الأقران، أو الشعور بالعزلة، ما قد يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات، وفي بعض الحالات إلى القلق والاكتئاب.
هذه التأثيرات النفسية قد تدفع الطفل إلى اللجوء إلى الطعام كوسيلة للتعويض أو الهروب، مما يزيد من تعقيد المشكلة ويخلق دائرة مغلقة يصعب كسرها دون تدخل متخصص.
التعامل مع سمنة الأطفال يتطلب نهجاً متكاملاً يشمل الأسرة والطفل والفريق الطبي. لا يمكن الاعتماد على الحلول السريعة أو الأنظمة الغذائية القاسية، بل يجب التركيز على إحداث تغيير تدريجي ومستدام في نمط الحياة.
تشدد سوابنا ماري جون على أهمية بناء علاقة صحية بين الطفل والطعام، بحيث يتم تعليمه اختيار الأطعمة المفيدة دون شعور بالحرمان. كما تنصح بإدخال الخضروات والفواكه بشكل تدريجي، وتقليل الاعتماد على السكريات والمأكولات الجاهزة.
من جانبه، يؤكد د. نجيب على ضرورة المتابعة الطبية في بعض الحالات، خاصة إذا كانت السمنة مصحوبة بمضاعفات صحية، حيث قد يتطلب الأمر إجراء فحوصات لتقييم وظائف الكبد، ومستوى السكر، والدهون في الدم.
ولا يقل دور الأسرة أهمية عن الجانب الطبي، فهي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل عاداته الغذائية. عندما يرى الطفل والديه يتبعان نمط حياة صحياً، فإنه يكون أكثر ميلاً لتقليدهم.
لذلك، من المهم أن تكون التغييرات جماعية داخل الأسرة، مثل تناول وجبات صحية معاً، وتشجيع الأنشطة البدنية كالمشي أو ممارسة الرياضة، بدلاً من فرض قيود على الطفل بشكل منفصل.
الوقاية تظل دائماً الخيار الأفضل، وتبدأ منذ السنوات الأولى من عمر الطفل. إدخال العادات الغذائية الصحيحة في وقت مبكر، وتشجيع النشاط البدني، يمكن أن يحد بشكل كبير من خطر الإصابة بالسمنة.
كما أن للمدارس دوراً محورياً في تعزيز الوعي الصحي، من خلال تقديم خيارات غذائية صحية، وتشجيع الطلاب على ممارسة الرياضة، وتنظيم برامج توعوية حول أهمية التغذية السليمة.
في ظل التحديات الحالية، يصبح من الضروري تكاتف الجهود بين الجهات الصحية والتعليمية والإعلامية، لنشر الوعي حول مخاطر السمنة وطرق الوقاية منها.
السمنة لدى الأطفال ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة عوامل يمكن التحكم بها إذا توفرت المعرفة والإرادة. كل خطوة صغيرة نحو نمط حياة صحي يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً في حياة الطفل ومستقبله.
إن بناء جيل يتمتع بصحة جيدة يبدأ من قرارات يومية بسيطة، لكن تأثيرها يمتد لسنوات طويلة، ليصنع مجتمعاً أكثر وعياً وقدرة على مواجهة التحديات الصحية
