الشارقة: نجح فريق طبي في مستشفى إن إم سي رويال الشارقة في تشخيص حالة خلقية نادرة لدى مريض يبلغ من العمر 55 عاماً، بعد معاناة طويلة مع أعراض هضمية شديدة وفقدان ملحوظ في الوزن، في واقعة تؤكد أهمية التوسع في الفحوصات الطبية عند استمرار الأعراض أو تفاقمها، وعدم الاكتفاء باعتبارها آثاراً جانبية متوقعة لبعض العلاجات الدوائية.
وكان المريض، الذي يعاني من السكري من النوع الثاني، قد راجع المستشفى إثر أعراض هضمية متزايدة بدأت تتفاقم بصورة أوضح بعد استخدام السيماجلوتايد، وهو من الأدوية الحديثة المستخدمة لضبط مستويات السكر في الدم والمساعدة على خفض الوزن. ورغم أن هذا النوع من العلاج قد يترافق مع بعض الاضطرابات الهضمية المعروفة، فإن شدة الأعراض واستمرارها استدعت إجراء تقييم تشخيصي موسع للبحث عن سبب آخر كامن.
وأظهرت نتائج الفحوصات أن المريض يعاني من بنكرياس حلقي جزئي، وهي حالة خلقية نادرة تحيط فيها أنسجة البنكرياس جزئياً بالاثني عشر، ما تسبب في تضيق الجزء الثاني منه وحدوث انسداد في مخرج المعدة، الأمر الذي أعاق مرور الطعام بشكل طبيعي. كما كشفت الفحوصات وجود حصوات مرارية مصحوبة بأعراض.
وشملت رحلة التشخيص مجموعة من الفحوصات المتقدمة، من بينها الأشعة المقطعية، والتصوير بالرنين المغناطيسي، والموجات فوق الصوتية بالمنظار، وأخذ خزعة من الاثني عشر، وتحاليل متكررة لدلالات الأورام، بهدف استبعاد أي اشتباه بوجود ورم خبيث، لا سيما في ظل فقدان الوزن وطبيعة الأعراض. وأكدت النتائج جميعها عدم وجود دلائل على الإصابة بالسرطان.
وتولى علاج الحالة الدكتور سولومون جون، استشاري الجراحة في مستشفى إن إم سي رويال الشارقة، حيث تقرر التدخل الجراحي بعد استمرار الأعراض وتأثيرها المباشر في الحالة الصحية للمريض ونوعية حياته.
وخلال العملية، تبين وجود توسع في الجزء الأول من الاثني عشر يتبعه تضيق واضح في الجزء الثاني المحاط بنسيج بنكرياسي، بما يتوافق مع تشخيص البنكرياس الحلقي. ولضمان اختيار المسار الجراحي الأنسب، أجريت خزعة مجمدة أثناء العملية، أكدت سلامة الأنسجة وخلوها من الخباثة، ما أتاح للفريق الطبي تجنب إجراء جراحة كبرى غير ضرورية.
وبناء على ذلك، أجرى الفريق عملية توصيل المعدة بالأمعاء الدقيقة بطريقة Roux-en-Y مع مفاغرة صائمية لتجاوز منطقة الانسداد، إلى جانب استئصال المرارة بسبب الحصوات المصحوبة بأعراض. كما أكد الفحص النسيجي النهائي لاحقاً وجود أنسجة بنكرياسية حميدة مع تليف مزمن.
وشهدت حالة المريض تحسناً جيداً بعد العملية، حيث كانت فترة التعافي مستقرة ومن دون مضاعفات، وتمكن تدريجياً من استعادة قدرته على تناول الطعام قبل خروجه من المستشفى مع برنامج متابعة طبية لاحق.
وقال الدكتور سولومون جون، استشاري الجراحة في مستشفى إن إم سي رويال الشارقة:
«تبرز هذه الحالة أهمية عدم التسرع في تفسير الأعراض الهضمية الشديدة أو المستمرة على أنها آثار جانبية دوائية فقط، خصوصاً عندما تكون الأعراض غير معتادة في شدتها أو مدتها. وقد ساعدنا التقييم الدقيق والتدخل الجراحي المناسب في تحديد السبب الحقيقي للحالة، وتقديم العلاج الملائم، وتجنب جراحة جذرية لم تكن ضرورية.»
وتسلط هذه الحالة الضوء على أهمية الانتباه إلى الأعراض الهضمية المستمرة لدى المرضى الذين يستخدمون أدوية ناهضات مستقبلات GLP-1 مثل السيماجلوتايد، خاصة مع التوسع المتزايد في استخدامها لعلاج السكري والسمنة. فهذه العلاجات تعمل على إبطاء إفراغ المعدة، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى كشف مشكلات عضوية كامنة أو تفاقم أعراضها لدى المرضى الذين يعانون تضيقاً أو انسداداً غير مشخص في الجهاز الهضمي.
كما تؤكد الحالة أهمية النهج الطبي متعدد التخصصات، من خلال التعاون بين فرق الجراحة والجهاز الهضمي والأشعة والغدد الصماء، للوصول إلى التشخيص الدقيق ووضع الخطة العلاجية الأنسب لكل حالة.

