بقلم: د. هشام طايل
استشاري أمراض القلب
المستشفى الدولي الحديث دبي
في زمن أصبحت فيه المنافسة المهنية جزءاً من الحياة اليومية، بات كثير من الموظفين والمديرين ورواد الأعمال يعيشون تحت ضغوط متواصلة لتحقيق المزيد من الإنجازات والوصول إلى مراتب أعلى من النجاح. وبينما ينظر الكثيرون إلى الطموح باعتباره قوة دافعة نحو التقدم، يحذر أطباء القلب من أن التوتر المهني المزمن قد يحمل آثاراً صحية خطيرة تتجاوز الشعور بالإرهاق والتعب لتصل إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والجلطات.
ويؤكد الأطباء أن العلاقة بين التوتر النفسي وصحة القلب لم تعد مجرد ملاحظة سريرية، بل أصبحت حقيقة مدعومة بالعديد من الدراسات العلمية التي أظهرت أن الضغوط المستمرة يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على ضغط الدم والشرايين ووظائف القلب.
ويقول د. هشام طايل، استشاري أمراض القلب في المستشفى الدولي الحديث دبي: “بصفتي متخصصاً في هذا المجال، أرى يومياً كيف تدفع القلوب ضريبة النجاح المهني والركض المستمر خلف الطموح. كثير من المرضى الذين يراجعون عيادات القلب ليسوا من كبار السن أو ممن لديهم عوامل خطر تقليدية فقط، بل من أشخاص يعيشون مستويات عالية من الضغط النفسي والمهني بشكل يومي.”
وأوضح أن من أكثر المشكلات القلبية التي يتم رصدها لدى أصحاب الوظائف المرهقة ما يعرف بمتلازمة الإرهاق القلبي، والتي تظهر على هيئة اضطرابات في نظم القلب أو خفقان متكرر، إضافة إلى ارتفاع ضغط الدم الذي قد لا يظهر خلال القياسات الروتينية، وإنما يرتفع بشكل ملحوظ أثناء ساعات العمل أو في أوقات التوتر الشديد.
وأشار إلى أن الأشخاص ذوي الشخصيات التنافسية العالية، أو ما يعرف بالشخصيات من النوع (A)، يكونون أكثر عرضة للإصابة بمشكلات القلب والشرايين، نظراً لأنهم يعيشون غالباً في حالة تأهب مستمرة لا تمنح الجسم أو القلب فرصة كافية للراحة والاسترخاء.
عندما يتحول التوتر إلى مشكلة عضوية
ويشرح د. هشام أن التوتر ليس مجرد حالة نفسية مؤقتة، بل يطلق سلسلة من التفاعلات البيولوجية داخل الجسم. فعندما يتعرض الإنسان لضغط نفسي مستمر، يفرز الجسم كميات متزايدة من هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول.
وتؤدي هذه الهرمونات إلى انقباض الأوعية الدموية وارتفاع المقاومة داخلها، مما يرفع ضغط الدم ويزيد العبء الواقع على القلب. كما تؤدي إلى تسارع نبضات القلب وعدم انتظامها في بعض الحالات، وهو ما يجعل عضلة القلب تستهلك كميات أكبر من الأكسجين والطاقة.
ومع استمرار هذه الحالة لفترات طويلة، يتحول ما كان في الأصل استجابة طبيعية مؤقتة إلى عامل خطر مزمن قد يؤثر في صحة القلب والأوعية الدموية بشكل مباشر.
كيف يزيد التوتر خطر الإصابة بالجلطات؟
ويحذر د. هشام من أن التأثيرات السلبية للتوتر لا تقتصر على ضغط الدم أو الخفقان فقط، بل تمتد إلى زيادة خطر الإصابة بالجلطات القلبية والدماغية.
وأوضح أن التوتر المزمن يحفز العمليات الالتهابية داخل الجسم، والتي تعد من أهم العوامل المؤدية إلى تشكل الترسبات الدهنية داخل جدران الشرايين. ومع مرور الوقت، قد تصبح هذه الترسبات غير مستقرة وقابلة للتمزق، ما يؤدي إلى تكوّن جلطة مفاجئة قد تسد الشريان وتمنع وصول الدم إلى القلب أو الدماغ.
كما أن الضغوط النفسية المستمرة تساهم في زيادة نشاط الصفائح الدموية ورفع لزوجة الدم، وهو ما يخلق بيئة أكثر ملاءمة لتشكل الجلطات وحدوث الانسدادات الوعائية.
إشارات تحذيرية لا ينبغي تجاهلها
ويؤكد استشاري القلب أن الجسم غالباً ما يرسل إشارات مبكرة قبل تطور المضاعفات الخطيرة، إلا أن كثيراً من الأشخاص يتجاهلونها أو يفسرونها على أنها مجرد إرهاق عابر.
ومن أبرز هذه العلامات الشعور بثقل أو ضغط في الصدر، خاصة أثناء فترات التوتر أو الانفعال، حتى وإن لم يكن مصحوباً بألم حاد. كما يعد الشعور بخفقان القلب أو تخطي بعض النبضات بشكل متكرر من الأعراض التي تستدعي التقييم الطبي.
ويضيف أن ضيق التنفس أثناء القيام بمجهود بسيط أو حتى أثناء الجلوس، إضافة إلى الشعور بالإرهاق المستمر رغم الحصول على قسط كافٍ من النوم، قد تكون جميعها مؤشرات مبكرة تستحق المتابعة وعدم إهمالها.
كيف نحمي القلب في بيئات العمل المرهقة؟
يشدد د. هشام على أن الوقاية تبقى أفضل وسيلة لحماية القلب، خاصة لدى الأشخاص الذين يعملون في بيئات مهنية عالية الضغط.
ومن النصائح التي يوصي بها تطبيق قاعدة التسعين دقيقة، والتي تعتمد على أخذ استراحة قصيرة لمدة خمس دقائق بعيداً عن شاشات الكمبيوتر والهواتف والاجتماعات كل ساعة ونصف تقريباً، لمنح الجهاز العصبي والقلب فرصة لاستعادة التوازن.
كما ينصح بتعلم تقنيات التنفس العميق والاسترخاء عند التعرض لمواقف ضاغطة أو أخبار سلبية، حيث تساعد هذه التقنيات على خفض مستويات الأدرينالين وتقليل تأثير التوتر على القلب بشكل فوري.
ويؤكد أيضاً أهمية النشاط البدني المنتظم، موضحاً أن المشي السريع لمدة ثلاثين دقيقة يومياً يساعد الجسم على التخلص من هرمونات التوتر المتراكمة، ويحسن الدورة الدموية، ويساهم في ضبط ضغط الدم وتحسين الصحة النفسية.
ولا تقل أهمية الفحوصات الدورية عن باقي الإجراءات الوقائية، إذ ينصح بإجراء قياسات منتظمة لضغط الدم ومستويات الكوليسترول والسكر، خاصة للأشخاص الذين تتطلب طبيعة عملهم مجهوداً ذهنياً وعصبياً كبيراً.
النجاح لا يجب أن يكون على حساب الصحة
ويختتم د. هشام حديثه بالتأكيد على أن النجاح المهني هدف مشروع ومهم، لكنه لا ينبغي أن يأتي على حساب صحة الإنسان.
ويقول: “القلب لا يفرق بين ضغوط العمل وضغوط الحياة الأخرى، وكل مستوى إضافي من التوتر يترك أثراً عليه. لذلك فإن تحقيق التوازن بين الطموح والراحة، وبين الإنجاز والعناية بالصحة، هو الاستثمار الحقيقي الذي يضمن للإنسان القدرة على الاستمرار والعطاء لسنوات طويلة.”
وأضاف أن الاستماع إلى إشارات الجسم وعدم تجاهل الأعراض المبكرة، إلى جانب تبني نمط حياة صحي وإدارة التوتر بشكل صحيح، يمكن أن يقلل بشكل كبير من مخاطر أمراض القلب والجلطات، ويمنح الإنسان فرصة للاستمتاع بنجاحه دون أن يدفع قلبه الثمن.
